الحكيم الترمذي

92

كيفية السلوك إلى رب العالمين

فإذا ذهب يصلي ويصوم ويعمل أعمال البر ، ويزعم أنه يسير بهذا إليه فقد ضلّ الطريق وأخطأ ، ليس يوصل إليه بالصلاة والصوم ، وإنما يوصل ببذل النفس وتسليمها إليه في ترك المشيئات ، واحتمال المكروهات ، فإنك إذا تركت مشيئتك في الأمور ، فإنما تترك الشهوات وإذا فعلت ذلك جاءتك المكاره ، وضقت بها ذرعا ، والتوت النفس وترددت حتى إذا بلغت المنتهى ، وذابت عنك المشيئات ، وهانت عليك المكاره فعندها فأبشر ، ويقع إقبال اللّه عليك بالكرامة ، فإنه كريم رحيم ودود . مسألة : [ في ميراث الأنبياء ] قال أبو عبد اللّه - رحمه اللّه - : الميراث على تقدير المفعال ، مأخوذ من الرثة ، وهي ما تضمّنه البيت ، وجمعها بعد تفرقها ، وكذلك سمّي الوارث وارثا لما مات المالك ، تبدد ملكه ، وتعطل عن جميع تركته ، فقام آخر فضمّه إلى ملكه ، فسمّي وارثا ، واللّه - تبارك وتعالى - وارث الخلائق ، قسّم من ملكه بين عباده ، ففرّقه عليهم ثم ضمه إليه في آخر يوم من أيام الدنيا ، فهو وارث الخلائق ، وهو خير الوارثين . وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إنّا معشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة » « 1 » ؛ لأن الأنبياء خزان اللّه ، ليس لهم من المال الذي في أيديهم إلا الخزانة ، يمسكونه للّه ، لنوائب الحق لا لنوائب النفس ، وما كان للّه فهو غير متفرّق ، وإنما التفرّق ما كان للشهوات والنفس ، وما كان للّه فهو مجتمع بيد الخازن ، فإذا مات لم يكن لأحد أن يأخذ ذلك فيضمّه إلى نفسه نحو القرابة ؛ لأنه لم يكن للميت أن يأخذه لنفسه ، إنما كان يأخذه لحق اللّه فكل من ضمّ شيئا من تركة ميت إلى نفسه دينا كان أو دنيا [ فهو ميراثه ] . ألا ترى قوله : وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ [ النمل : 16 ] ، فإنما ورثه الملك والعلم والنبوّة ، فجمع فيه الدين والدنيا . وإلى قول زكريا حيث قال : فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا ( 5 ) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ

--> ( 1 ) رواه النسائي في السنن الكبرى ، ذكر مواريث الأنبياء ، حديث رقم ( 6309 ) [ 4 / 64 ] والطبراني في الأوسط ، من اسمه عدنان ، حديث رقم ( 4578 ) [ 5 / 26 ] ورواه غيرهما .